السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
264
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
لأمره خاطب الشهود بقوله عز قوله « وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ » إذا دعيتم إليها لأنها أمانة في أعناقكم وفي كتمانها إبطال الحق وضياع المعروف ، ولهذا بالغ في الوعيد والتهديد على كتمانها فقال « وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ » مخطئ فاجر ، وأضاف الإثم إلى القلب لأن كل أمر أول ما يحدث يحدث في القلب ثم ينطق به اللسان أو تنفذه الجوارح إلا من عصم اللّه ، لأن القلب رئيس الأعضاء إذا صلح صلح الجسد كله وإذا فسد فسد الجسد كله - كما في الحديث الذي رواه النعمان بن بشير عن البخاري - ولذلك فإن إثمه أعظم الآثام ، قال ابن عباس أكبر الكبائر الإشراك باللّه وشهادة الزور وكتمان الشهادة . وقال لما حرم اللّه الربا أباح السلف وقال أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى ( أياما أو شهورا أو سنين ) قد أحله اللّه تعالى في كتابه وأدن فيه ، وهذا سبب نزول هذه الآية ، وله شروط معلومة في كتب الفقه يجب التقيد بها لصحة عقده ولئلا يدخله الربا . روى البخاري ومسلم عن ابن عباس قال : قدم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم المدينة وهم يسلفون من التمر العام والعامين ، فقال لهم من أسلف في تمر ففي كيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم « وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ( 283 ) » لا يعزب عنه شيء من أعمالكم . وتومئ هذه الآية إلى تحذير من يكتم الشهادة ولم يؤد ما ائتمن عليه ، وان المراد بإثم القلب مسخه والعياذ باللّه ، ومن هنا قيل : ما أوعد اللّه على شيء كإبعاده على كتم الشهادة ، فانظر رحمك اللّه ما أعجب نظم هذه الآيات في تنظيم الإدارة الإنسانية ، لأن عدم المضارة المذكورة من الطرفين والكاتب والشهود جزء من أجزاء الإدارة اللازمة للبشر ، ومع هذا فإن اللّه جل جلاله قد بالغ في التأكيد على القيام بها بالعدل والتشديد على من يخرم شيئا منها ، وقد كرر لفظ التقوى فيها لأنها تقي الإنسان من الوقوع فيما لا يرضي اللّه ، لأنه قد يفرط في أمور يظنها من التقوى وليست منها ، وقد يتسامح في أمور يظنها من التقوى وليست منها أيضا ، بل قد تؤدي لما يحذر منه كمن يعطي ماله لسفيه أو يدين غيره بلا سند ولا شهود مع القدرة عليها ، إذ ليس من الدين تفريط المرء في حفظ ماله إذ يعرضه لضياعه ومن ترك أمرا من أمور الدين أحوجه اللّه إليه ، ولهذا أوجب الشارع الحجر